Wednesday, July 16, 2014

عقدة "الأجنبي" عند السياسي والمواطن في اليمن



عقدة "الأجنبي"

بداية، أود أن أستهل موضوعي بذكر السبب الذي جعلني أتطرق لهذا الموضوع. ذلك أني شاركت ليلة أمس في وقفة احتجاجيه في تونس تنديدا بالحرب الصهيونية في غزة. كانت الوقفة أمام منزل السفير الفرنسي في احدى ضواحي العاصمة التونسية، وتزامنت هذه الوقفة مع احتفال السفارة الفرنسية باليوم الوطني الفرنسي، وكان السفير الفرنسي قد دعا عدة شخصيات من المجتمع التونسي بما فيهم دبلوماسيين وصحفيين ونشطاء إلى الحفل، غير أن العديد من النشطاء قاطعوا الحفل احتجاجا على ما صرح به الرئيس الفرنسي هولوند من مساندة لإسرائيل وعدم التنديد بالحرب القائمة في فلسطين. 

كانت هذه هي المرة الأولى التي أشارك في وقفة احتجاجية في تونس، وقد كانت شبيهة بكافة الوقفات والمظاهرات التي شاركت فيها في عدة دول في السابق، ولكن لفت انتباهي شيئان: الأول: قرب الوقفة من بوابة منزل السفير الفرنسي في تونس بينما يستحيل هذا الإقتراب في اليمن حيث أصبحت بعض السفارات ومنازل السفراء محوطة بأسوار كبيرة، والشوارع اليها مغلقة بنقاط عسكريّة كأنها حرس الحدود. كان الله في عون من إحتاج الى تأشيرة سفر لان الوصول إلى السفارات بحد ذاته مرهق، إضافة الى الكميّة الهائلة من المستندات المطلوبة والإهانة النفسية التي يلقاها بسبب المعاملة السيئة إن استطاع الدخول إلى السفارة، ففي عدة حالات أشتكى الكثير بأن السفارة الفرنسية مثلا تطلب من البعض الانتظار تحت الشمس في خارج مبنى السفارة، ولا يسمح لهم حتى بالجلوس في قاعة الانتظار. 

الثاني والأهم الذي أثار انتباهي هو: ردّة فعل المتظاهرين عندما خرج مسؤول تونسي من سيارته ومشى إلى بوابة منزل السفير. في هذا الوقت تناهت على المسؤول أصوات العتاب والصراخ. هذا الموقف جعلني أفكّر في حالنا في اليمن، وفي المرض الذي أصاب الكثير منا: عقدة الأجنبي التي هي حالة نفسية عامة لدى الشعوب التي عانت من الإحتلال الأجنبي.. وهي عبارة عن تغلغل الإحساس بالنقص والدونيّة أمام "الأجنبي". فاليوم مثلا نجد بأن المواطن في مجتمعنا دائما يعطي صورة مثالية عن الشخص الأجنبي ويلحق به جميع الصفات الحميدة من إالتزام وصدق وأمانة، و في المقابل يقلل ويهين بمصداقيّة كل ما هو وطني سواء أكان منتج أم فكرة أم كفاءة فنجد البعض يكيل كل الصفات الذميمة لليمنيين مثل الخيانة والكسل وسوء الأخلاق. 

أسباب هذه العقدة عدة منها الأبعاد الثقافيّة للإستعمار الذي بدوره زرع الإنهزام الفكرة والمعنوي في كافة البلدان المحتلة وهذا التفكير أدى ومازال يؤدي بدوره لقتل الفكر الحر. كما قال فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض "إن أوّل شيء يتعلّمه السكّان الأصليون (أنا وأنت) هو أن يلزموا أماكنهم، ألا يتجاوزوا الحدود." وبالفعل هذا ما نلاحظه في اليمن اليوم بعد أن قامت ثورة مجيدة استطاعت قوى كثيرة تغيير مسار الثورة وتحريفها وإلزام السكان الصمت إما بالتهديد أو التخوين أو التكذيب. 

ليس من شك بأن اليمن اليوم تعيش تحت ما يمكن أن نسميّه بـ "الوصاية الإقليميّة والدوليّة". جمال بن عمر ومجموعة سفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجيّة وهم: السفراء في اليمن عن الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة الأمريكيّة، روسيا، الصين، المملكة المتحدة، فرنسا)، وسفراء مجلس التعاون الخليجي (ما عدا قطر التي انسحبت من المبادرة الخليجيّة) يتولون مهمة "رعاية المبادرة الخليجيّة" أو بمعنى أصح هم من يحكمون اليمن حاليا ويتحكمون، وما على الحكومة الانتقالية إلا تطبق ما يطلبونه منها فقط. ومن المؤكد أن توقيع المبادرة الخليجية هي من كرست هذه الوصاية وجعلتها "قانونيّة" وأدت أيضا الى توزيع ملفات اليمن على كافة الدول الحاكمة لتدير الشؤون الداخلية. فمثلا أمريكا مسؤولة على الملف العسكري ، فرنسا مسؤولة على الدستور (وهناك حساسية بين فرنسا وألمانيا في هذا الجانب) والأمم المتحدة مسؤولة على الحوار الوطني. أصبحت هذه الدول تنذر وتبشر في كافة الأمور الداخليّة حتى أن السيد جمال بن عمر أعلن عن بعض التعيينات قبل أن يعلن عنها الرئيس هادي. إستطاعت هذه الدول أن تحكم اليمن بإطار أممي إستنادا إلى فكر مستشرق مبني على أن اليمنيين لن يستطيعون الوصول إلى حل بدونهم. وكأن اليمني "همجي لا عقلاني يعجز عن التفكير المنظم والتحليل، شاذ وبليد ومتعصب."[1]

أثناء وقت الإنتخابات "بالتزكية" الممولة دوليّا سألني دبلوماسي غربي رفيع المستوى: "هل ستذهبي للإنتخابات؟" فقلت له: "لا." سألني: "لماذا؟" فرديت عليه: "لو كان هناك مرشح واحد في بلدك هل ستنتخب؟" رد علي بإبتسامة وإستعلاء: "الناس في بلدي لا يحاولون قتل بعضهم بعضا." بالطبع ليس كل الدبلوماسيين يفكرون بهذه الطريقة، لكن لسوء الحظ هذا التفكير هو الذي يجعل المجتمع الدولي يتوقع بأن اليمنيين يجب أن يقبلوا بأنصاف الحلول بل بأن يحتفلوا بها أيضا. وبالفعل فقد قبل الكثير بهذه "الحلول" وتم الترحيب والاحتفال بها. 

عندما أتحدث عن الوصاية الدولية فأنا أتحدث عنها كمسألة سياسيّة بحتة تدخل في نطاق توجيه السياسة الخارجيّة لليمن لمصلحة هذه الدول وليس لمصلحة اليمن. فالمجتمع الدولي همه عدم إخراج اليمن عن السيطرة مادامت المنطقة الجغرافيّة مهمة له، ولذلك تم التركيز على بقاء النظام السابق على حساب متطلبات التغيير الحقيقي والأساسي. 

نعم جزء من اللوم يقع على الحكومة الانتقالية في ترحيبها الواسع بهذه الوصاية وسماحهم بالتدخل في شؤون البلد بشكل مباشر إلا أن اللوم الحقيقي يجب أن يقع على الجمهور المتفرّج: المجتمع المدني الصامت. من المفترض أن يكون المجتمع المدني مراقب لأداء الدولة، ولكن للأسف أصبح كثير من أعضاء المجتمع المدني جزء من الدولة إما من خلال دخلوهم كأعضاء في الحوار الوطني مما جعلهم يبتعدون عن الشارع اليمني ومطالب الساحات الثائرة، أو تعيينات أخرى. ولذلك أصبحت لهم مصالح يجب ان يحافظوا عليها. 

في إحدى الاجتماعات التي رتبتها أحد المنظمات المانحة الأجنبية تحدثت أنا وزملائي خارج قاعة الاجتماع عن ما هي أهم الرسائل التي نريد ان نوصلها لهم. ركز الكثير على أهمية الحديث عن "أولويات الدعم" وأن أولويات المانح كثيرا ما تختلف عن أولويّات اليمن. أتفقنا جميعا وعندما دخلنا الاجتماع صعقت لان ما قلناه خارج الاجتماع اختلف تماما عن ما قاله بعض زملائي للمانح. عندما سألت زميلي عن سبب المجاملة -لم أتجرأ ان اقول الكذب-، رد علي: "عيب هو ضيف" من أجمل ما في اليمن اننا شعب يكرّم الضيف ولو حتّى على حساب نفسه ولكن هل نسينا المثل الذي يقول: "يا غريب كن أديب"؟ 

عند انتقادي لهذه العقدة الشنيعة لا أعني أبدا ان أقول ان "اليمنيين أفضل من كل الناس" أو العرب أفضل من غيرهم فأنا لا أؤمن بالتمييز الوجودي والمعرفي بين "الشرق والغرب" ولا أؤمن بفكرة "نحن" أو "هؤلاء" و هذا بالضبط هو ما عمله المستشرقون في الشرق الأوسط عندما كرّسوا فكرة أن أوربا وأمريكا هما "المألوف والطبيعي" و الشرق هو الغريب والمستغرَب. ولكن أؤمن بانه ما زال هناك محتل وإحتلال بأشكال مختلفة و أؤمن بأن الدول الإمبرياليّة (كانت عربيّة أو أجنبيّة) بحاجة إلى أن تفكك العالم إلى قسمين قسم حاكم وقسم محكوم. 

في ثقافتنا الشعبية قضايا ومواقف تستحق المراجعة والتمحيص بشكل موضوعي ومنها تأثير الإمبراليّة على اليمن وعقدة الأجنبي. علينا ان نتذكر ما قاله المفكر فرانز فانون الذي جمع ما بين التنظير والممارسة من خلال مشاركته في حرب التحرير الشعبيّة بالجزائر:
"ليس نجاح الكفاح وحده هو الذي يهب للثقافة قيمة وصدقا وقوة، بل إن معارك الكفاح نفسها تنمي، في أثناء إنطلاقتها، مختلف الإتجاات الثقافية وتخلق إتجاهات ثقافية جديد."

فلذلك علينا أن ندرس ما يحدث بشكل موضوعي وعلينا ان نناضل من أجل المطالبة بالحقوق الأساسية ولكن في نفس الوقت يجب التعامل مع هذا الموضوع بحذر شديد لأننا لا نريد أن ننشر ثقافة الكراهيّة بالاخر او شيطنة "الأجنبي" فهذا ليس هدفنا لأن المقصود كما قلنا الأنظمة الامبراليّة وليس الشعوب خاصة وأننا  في عالم العولمة الذي يعيش فيه الانسان متنقلا من بلد الى اخر وأصبحنا لا نعرف الان من هو المواطن ومن هو الأجنبي وأصبحت شعوب العالم تناصر بعضها بعضا ضد الإمبراليّة العالميّة. فالمطلوب اذا أن نبني على هذا الفكر الجميل وان نتحدى الضغوط التي تعمل على تقسيم البشر في شكل زائف، والعودة إلى النظر للإنسان كإنسان. 

=========
[1] المفكر الراحل إدوارد سعيد كتب بأن المستشرق يصف "الشرق" بأنه "همجي، لا عقلاني، يعجز عن التفكير المنظم والتحليل، شاذ، بليد ومتعصب.."

2 comments:

abdulhaleem assalahi said...

والمصيبة الاكبر عندما يكرس الاداء الرسمي هذا الشعور بالدونية

WomanfromYemen said...

مؤسف فعلا عندما تكرس الدولة هذا الشعور